الأرض والنزاع في السودان

الصفحة الرئيسية| | أتصل بنا

شبكة حقوق الارض والسكن
الأرض والنزاع في السودان
01 July 2006

لقد ساهمت عدة عوامل في خلق النزاع في السودان، إلا أن جميعها ترجع لقضايا تتعلق بتقاسم وتوزيع الثروات والموارد، إلا أن أهم هذه الموارد هي الأرض: فالأراضي هي مفتاح الثروة والسلطة سواء تم استغلالها لغايات الزراعة أو لرعاية المواشي أو لم يتم استغلالها مثل النفط والمياه الجوفية.

يرجع تسييس ملكية الأراضي للفترة التي تم فيها تقسيم السودان إلى «ديار» قبلية من قبل الإدارة الاستعمارية سنة 1923، حيث يمكن رؤية حدود هذه الديار بوضوح في الخرائط الحديثة، وربطها بالهوية القبلية والجغرافيا التي ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا. هناك عدد من «الحواكير» في كل واحدة من هذه الديار، إضافة إلى عدد من القبائل والعشائر المقيمة فيها. هذا ويتم حصر قيادة الديار واستخدام مواردها واحتكار ثرواتها على مالكيها الأصليين والقبائل الرئيسية فيها وإهمال القبائل الصغيرة وعدم السماح لها بالاستفادة من هذه الموارد بسبب العلاقة التقليدية القوية بين القبائل والديار المملوكة، إضافة إلى أن هذه العلاقة تسمح للقبائل الرئيسية بممارسة الحقوق الإدارية والسياسية بينما لا يسمح للقبائل الصغيرة بتملك هذه الأراضي. وقامت القوى الاستعمارية (الكولونيالية) بدعم هذه الظاهرة من خلال التعامل مع القائد الأعلى للقبيلة «الناظر» على الشخص المعين لإدارة الحواكير، بناء على هذا المنظور قامت القوى بائتمان الناظر على السلطات القانونية والإدارية والمالية للحواكير، مع الاعتقاد بأن الناظر سيهتم بتطبيق القوانين والأنظمة، إضافة إلى الاندماج الإقليمي والسكاني في حاكورته. هذه وكانت القوى المستعمرة تأتمن الناظر على تخصيص الحواكير حسب ما يراه مناسبا، حيث وفر هذا الأسلوب آلية مرتبية واضحة ومهيكلة من أجل التعامل مع النزاعات، إلا أنها لم تمنع مجموعات مختلفة من محاولة الاستيلاء على الحواكير بالقوة.

أصبحت النزاعات على ملكية الأراضي أكثر تسييسا بعد صدور قانون الأراضي غير المسجلة عام 1970، والذي كان قمعيا أكثر من القوانين الاستعمارية، حيث خول للحكومة استعمال القوة من أجل حماية «أراضيها»، إضافة إلى أنه شجع على تكديس الأراضي من قبل أقلية مستثمرين من الأغنياء (محليون وأجانب). أدى كل هذا إلى عزل المزارعين-الرعاة عن حواكيرهم التقليدية، ومنع الشرعية الرسمية والحقوق القضائية التي تمتعت ملكية الأراضي التقليدية بها، إضافة إلى أنه ألغى ضمنيا جميع الحقوق –والدخل- المرتبطة بالمياه، والأراضي ورعاية المواشي.

مكن قانون 1970 الحكومة أيضا من تنفيذ سياسة تنمية مبنية على توسيع القطاع الزراعي، خاصة الزراعة الآلية، حيث زادت نسبة الأراضي التي خضعت لسياسة الزراعة الآلية إلى خمسة عشر ضعفا في سنة 2005. هذا وتم تخصيص مساحات واسعة من الأراضي للاستثمارات الرأس مالية بعد أن صدر قانون الاستثمار سنة 1990، والذي ألغى نسبة كبيرة من حقوق المجتمعات القروية بالأراضي، وأدى إلى ترحيل الكثير من المحليين عن حواكيرهم. هذا ويبقى النزوح الناجم عن الزراعة الآلية مصدرا لعدم الرضى والصراعات، حيث أنه يعزز من الشعور بالإهمال والتهميش والاضطهاد الاجتماعي، إضافة إلى أنها تعزل المسارات البدوية، ونقاط الري، والرعي، الأمر الذي خلق ثقافة الاستحواذ على الأراضي وترك مجموعات كبيرة دون أي أرض مما أرغم هذه المجموعات إما على العمل وفق أجور غير مستقرة، أو الهجرة إلى المراكز الحضرية، وفي سياق مشابه ساهمت الصناعات البترولية بالزيادة من ظاهرة الشح والتهميش.

كان إعلان قانون 1970 قد تزامن مع إلغاء نظام الإدارة المحلية، والتي كانت مؤسسة هامة من حيث تنظيم الأراضي والتعامل مع النزاعات التي لا مفر من حدوثها بين ماكي الديار والحواكير، أو حتى بين أولئك الذين لا يملكون أي من هذه العناصر. ومع أنه تم إعادة النظام المحلي، إلا أنه أصبح أضعف بشكل كبير، إضافة إلى أنه فقد مصداقيته.

أدت فترات الجفاف الشديد التي حدثت في نفس الفترة الآنف ذكرها إلى انحلال بيئي واسع النطاق، إضافة إلى تسببها في النزوح السكاني والتمدن، ففي دارفور مثلا، أصبحت المناطق التي تقطنها قبائل الفور والبرقد والبرتي والداجو، وجهة لأفواج النازحين الذين أتوا من شمال دارفور، خاصة الزغاوة وعدة مجموعات من رعاة الإبل من المعروفين بأصولهم العربية، حيث أن مراعيهم الأصلية كانت قد تضررت بشكل كبير. هذا وأدت المجاعة التي استمرت من عام 1983-1984 إلى زيادة الوضع الفوضوي من سيء إلى أسوء، حيث أنها عجـّلت من انتشار الصراعات التي سرعان ما اتخذت طابعا عرقيا مع تركيز كل مجموعة على ثقافتها الخاصة وانتماءاتها العرقية المفترضة من أجل تبرير حقوقها بحيازة الأراضي.

قام القادمون الجدد لاحقا بتبرير اسيلائهم على الأراضي القبلية على أنهم مواطنون سودانيون، مدعومين بمفاهيم الدولة الحديثة من حرية الحركة والاستيطان، إلى المساواة في الحقوق المدنية والالتزامات القانونية إضافة إلى استغلال المفهوم الإسلامي، خاصة منذ 1990، أن للمدنيين الحق باستغلال الأراضي والتي هي «ملك لله». أما بالنسبة للسودانيين في الجنوب، فإن الأرض عبارة عن مورد خاص بالمجتمعات التي تقطنها، لذا قام سكان الجنوب بمقاومة سياسة الملكية الحكومية. وما يدعو للسخرية أن حكومة جنوب السودان قامت باستنساخ هذه السياسة منذ العام 2005.

أصبح الصراع في دارفور أكثر تسييسا بعد تخصيص الخدمات الاجتماعية (الأسواق، والمدارس، والمراكز الصحية) والذي لم يتم وضعه وفقا للحدود التقليدية للحواكير، لذا فإن قدرة الحصول على هذه الخدمات أصبحت محصورة على أولئك الذين يملكون الحواكير التي يسكنونها، الأمر الذي أدى إلى نشوب الصراع بين الميدوب والبرتي في شمال دارفور، وبني هلبة والفور في جنوبها.

تصادمت الدولة الحديثة مع النظام التقليدي بتغييرها لميزان السلطة في الدولة، حيث يمكن النظر لإحدى أمثلة هذا التغيير من خلال تفحص علاقة المساليت في دارفور مع بعض القبائل «العربية». فتاريخيا، كانت ديار المساليت مسكنا لعدة مجموعات عربية كان قد تم الترحيب بها وتخصيص بعض الحواكير لها من قبل سلطان المساليت لسداد احتياجاتها، إضافة إلى أنهم استمتعوا بدرجة من الاستقلال مع بقائهم تابعين للسلطان. إلا أنه وفي سنة 1995، قامت حكومة غرب دارفور بتقسيم ديار المساليت إلى 19 إمارة أعطت 13 منها للقبائل العربية دون أي تنسيق مع الإدارة المحلية. ولأن لقب الأمير لا يتم إعطاءه ولا لابن السلطان، تم النظر إلى هذه الخطوة على أنها محاولة من قبل الحكومة لمساواة المجموعات العربية مع مالكي الأرض القدامى من المساليت، والذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى إعطاء العرب مقاليد الرئاسة في ديار المساليت.

يمثل مثال المساليت أيضا التصادم بين الحقائق السياسية التقليدية والحديثة، فعندما فاز المهاجرون المساليت المقيمين في القضارف (شرق السودان) بمقعدين في البرلمان بعد انتخابات 1986 تم رفض طلبهم بالنظارة من قبل ناظر الشكرية بعد التشاور مع سلطان المساليت (غرب دارفور) حيث اعتبر سلطان المساليت أن دياره ذات كيان سياسي موحد يقودها سلطان مورث لا يتأثر بالعملية السياسية.

وتم إثرها خلق إدارة محلية جديدة في منطقة الرشايدة (شرق السودان). والرشايدة مجموعة عربية هاجرت من الجزيرة العربية إلى السودان عام 1874 وسكنت في مناطق البجا في شرق السودان. وفي أواخر الثمانينات وأوائل التسعينيات حدث نزاع بينها وبين السكان المحليين في البجا إذا طالب الرشايدة بمنصب ناظر بينما رفضت البجا الطلب باعتبار أن لقب ناظر يعني ملكية الأرض التي يسكونها أنهم يقترحون حل النزاع بإعطائهم لقب إدارة بدلا من نظارة، أي إعطائهم سلطات إدارية دون تملكيهم أي أرض في منطقة النيل الأزرق. كذلك طالب الفلاتة بمنصب الناظر الأمر الذي رفضه القونج (الشتات الأصليين) علماً بأن مثل هذا المطلب وجد مساندة من إبراهيم عبد الحفيظ من وإلى النيل الأزرق، لكن الرفض الشديد من قبل القونج وعلى رأسهم الناظر يوسف المل الذي ذهب إلى الخرطوم لمقابلة رئيس الجمهورية بهذا الخصوص أدي إلى وقف هذا الإجراء.

شكل العزل المستمر لأراضي النوبة والواقعة في جبال النوبة إضافة إلى استيلاء المستثمرين الأجانب على هذه الأراضي العامل الرئيسي الذي أدى إلى انضمام النوبة إلى الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان، حيث أعلنت الحركة السياسية الرئيسية في النوبة (الاتحاد العام لجبال النوبة-تأسس سنة 1965) أن إحدى أهدافها الرئيسية هو «تطبيق سياسة إصلاح الأراضي من أجل فائدة المزارعين الأصليين في جبال النوبة واستئصال سياسات الأراضي الإقطاعية، وتطهير علاقات الإنتاج من جميع أشكال الاستغلال.» ومن الجدير ذكره أن شح الأراضي مرتبط بالتحركات السكانية الناجمة عن الزراعة الآلية، والناجمة أيضا عن الحروب التي تشارك فيها الميليشيات القبلية الجنوبية، إضافة إلى أن شح الأراضي هو إحدى الأسباب الرئيسية لتمرد بجا في شرقي السودان، والذي كان قد اختار نهر القاش كرمز إقليمي.

أصبح النزاع في دارفور أكثر تعقيدا الآن مع وجود الادعاءات المتنافسة على سلطة الحكومة المركزية والثروات، إلا أن عددا من أراضي الفور والمساليت الخصبة أصبحت الآن تحت سيطرة مجموعات أخرى، هذا ويتضح أنه بغض النظر عما إذا كانت الموارد المتنازع عليها سطحية أم جوفية، فالأرض هي التي تحتل مرقعا مركزيا في ساحة الأسئلة التي تتمحور على السلطة والتي تهيمن بدورها على السياسة في السودان.

المصدر الأصلي:

http://www.c-r.org/our-work/accord/sudan/arabic/land-conflict-a.php

HIC and Food Sovereignty
 

See "Habitat III Basics"
 
HLRN Publications

Land Times



All rights reserved to HIC-HLRN -Disclaimer