التوسّع في الاستثمار الزراعيّ... تحدّ جديد أمام مصر

Home| Sitemap | Contact Us

التوسّع في الاستثمار الزراعيّ... تحدّ جديد أمام مصر
By: أية أمان، المونيتور
01 November 2017
 

القاهرة – منذ أن رفعت الولايات المتّحدة الأميركيّة العقوبات الاقتصاديّة عن السودان في 6 تشرين الأوّل/أكتوبر، كان ملف التوسّع في الاستثمار الزراعيّ في الأراضي السودانيّة حاضراً بقوّة في استراتيجيّة حكومة الخرطوم، وهو ما عكسته التصريحات الأولى لوزير الدولة للاستثمار السودانيّ أسامة فيصل الذي أكّد فيها أنّ الاستثمار في الزراعة والأمن الغذائيّ على قائمة اهتمامات الحكومة، خصوصاً مع تزايد الطلب العالميّ على الغذاء، متوقّعاً أن رفع العقوبات سيساعد في تسهيل الإجراءات البنكيّة التي كانت تشكل تحديا كبيرا للمستثمرين في السابق.

وتقابل الطموحات السودانيّة بالتوسّع في استثمارات الأراضي والمياه، مخاوف وقلق مصريّ من استنزاف السودان لمياه النيل، خصوصاً وإن اعتمدت المشاريع الزراعيّة الضخمة على الريّ من مياه النيل، وهو ما سينهي فرص مصر في الاستمرار والتصرّف الكامل في إيراد مياه النيل ببحيرة ناصر الزائد عن الحصص المائيّة للدولتين والمقدّر بـ74 مليار متر مكعّب.

وتتقاسم مصر والسودان وحدهما الإيراد السنويّ لمياه نهر النيل باعتبارهما دولتيّ المصبّ وفقاً لاتفاقيّة تقاسم مياه النيل 1959، والتي تحصل مصر بموجبها على 55.5 مليار متر مكعّب، والسودان على 18.5 مليار متر مكعّب سنوياً، باعتبار أنّ الإيراد المتوسّط للنهر يصل إلى 84 مليار متر مكعّب، منها 10 مليارات تضيع في التبخّر من بحيرة ناصر.

وقال مسؤول مصريّ في قطاع مياه النيل،التابع لوزارة المياه والري، فضّل عدم ذكر اسمه، في حديث لـالمونيتور: لدينا آليّات عديدة للتأكّد من سحب السودان حصّته المائيّة فقط من النيل وفقاً لاتفاقيّة 1959، وذلك من خلال قياسات لمنسوب المياه في النيل ومراقبة التصرّفات في النهر من خلال بعثة الريّ المصريّة في السودان، فضلاً عن وجود آليّة للتنسيق في ملف التعاون في توزيع الحصص المائيّة من خلال اللجنة الفنيّة الدائمة المشتركة بين مصر والسودان.

أضاف: رغم الخلاف السياسيّ والفنيّ مع السودان في ملف إدارة المياه في نهر النيل والعلاقة مع دول منابع النيل، بخاصّة إثيوبيا والموقف من سدّ النهضة الإثيوبيّ الذي يؤيّده السودان، إلاّ أنّ حتّى الآن يوجد تفاهم مع الجانب السودانيّ في مسألة توزيع الحصص وهناك التزام سياسيّ من السودان باتفاقيّة 1959.

وتوقّع المسؤول المصريّ زيادة التحدّيات أمام القاهرة في القريب العاجل، وقال: إنّ طموح السودان المتزايد لاستغلال مياه النيل في الاستثمارات، والتي ستعزّزها زيادة الإقبال على الأراضي السودانيّة الشاسعة والخصبة بعد رفع العقوبات بإزالة المعوقات الإجرائيّة، وكذلك قرب التخزين في سدّ النهضة الإثيوبيّ الذي سيجعل إثيوبيا طرفاً في توزيع وتقاسم المياه في النيل الشرقيّ، كلّ ذلك سيضع القاهرة في مأزق كبير أمام إمكانيّة تأمين مصالحها من مياه نهر النيل الذي يؤمّن 95 في المئة من حاجاتها من المياه.

من جهته، قال الخبير والباحث في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجيّة أيمن عبد الوهاب خلال حديث مع المونيتور: إنّ السودان بدأ بالفعل يستنزف كامل حصّته من مياه النيل المقدّرة بـ18.5 مليار متر مكعّب، وفقاً لاتفاق تقاسم الحصص المائيّة مع مصر سنة 1959، وأيّ توسّعات استثماريّة في مجال الزراعات المرويّة سيفرض عليه تغيير موقفه من دعم سدّ النهضة الإثيوبيّ، لأنّه سيكون تحدّياً كبيراً أمام السودان في إمداده بكميّات أكثر من مياه النيل الأزرق.

وصنّفت منظّمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتّحدة فاو السودان من بين أكبر 4 دول من ناحية الإمكانات الزراعيّة، التي تعوّل عليها المساهمة فى حلّ أزمة الغذاء، ففي السودان 48 في المئة من جملة الأراضي القابلة للزراعة في القارة الإفريقيّة، إلاّ أنّ المساحات المزروعة بانتظام أقلّ من 10 ملايين هكتار، وكان السودان قد ضخّ استثمارات ضخمة في البنية التحتيّة للريّ في السنوات الأخيرة، منها مشروع سدّ مروي في عام 2009، وتعلية سدّ الروصيرص في عام 2013، فضلاً عن التخطيط لإنشاء سدود دال وكجبار والشريك في شمال السودان بتمويل سعوديّ.

بدوره، قال الباحث في جامعة ساسكس رامي لطفي حنا في حديث مع المونيتور: إنّ السودان هو مفتاح الأمن المائيّ المصريّ، ويجب أن تكون هناك طريقة للتفكير في كيفيّة تضمين الاستثمارات الخاصّة في آليّة إدارة الموارد المائيّة بنهر النيل، للتأكّد من أنّ هذه الاستثمارات تحترم معايير الاستدامة الاجتماعيّة والبيئية.

أضاف: كلّ دول حوض النيل لديها بدائل للموارد المائيّة يجب تطويرها من أجل تقليل الاعتماد على مياه النيل، وضمان التدفّق المستدام لمياه النهر.

وتابع: إنّ توسّع السودان في الاستثمارات الزراعيّة الضخمة يعكس فرصاً ومخاطر، فالخطورة إذا ما اعتمدت الاستثمارات على مياه النيل، وهو ما يستدعي أهميّة التأكّد من أن السودان لن يتعدّى حصّته المائيّة من النهر، وفقاً للاتفاقيّات القائمة مع مصر.

وقال حنا: إذا ما اعتمدت الاستثمارات الضخمة على مصادر أخرى للمياه دون النيل كالمياه الجوفيّة، فهذا الأمر سيقلّل المخاطر على مصر، بل يمكن الاستفادة منه بتعزيز التجارة، بخاصّة استيراد المحاصيل المستهلكة للمياه، فضلاً عن تشجيع المستثمر المصريّ على تطوير اتفاقيّات مع السودان من أجل الاستثمار في المياه والأراضي، استناداً إلى التعاون الاقتصاديّ وفرص التكامل.

وكانت الحكومات المتعاقبة على مصر منذ ثورة كانون الثاني/يناير من عام 2011، قد حاولت تأمين غذاء المصريّين من السودان في محاولة لتحقيق الأمن الغذائيّ في ظلّ أزمة المياه التي تعاني منها مصر والتي تحدّ من إمكانات التوسّع الزراعيّ، في مبادرات عدّة، انتهت بإعلان رئيسيّ مصر والسودان عبد الفتّاح السيسي وعمر البشير التوافق على مشروع التكامل الزراعيّ بين البلدين في تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2016، إلاّ أنّ المشاريع لم تبدأ من دون أسباب معلنة.

ورأى الخبير في الشأن السودانيّ بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجيّة هاني رسلان في حديث مع المونيتور أنّ الموقف السودانيّ تجاه مصر في ملف المياه أصبح عدائيّاً، وقال: الآن يتردّد بين الأروقة السياسية والرأي العام السودانيّ أنّ السودان له سلفة متراكمة من المياه لدى مصر، إذ أنّه لم يكن يستهلك حصّته كاملة من مياه النيل طوال الفترة الماضية، وكانت تحصل عليها مصر من دون مقابل، وقد يتطوّر الأمر إلى مرحلة أكثر خطورة إذا ما أعلن السودان انضمامه إلى اتفاقيّة عينتيبي، التي تقضي بالاستخدام العادل والمنصف للمياه من أجل تحقيق الأمن المائيّ من دون الإلتزام بالحصص التاريخيّة لدولتيّ المصب.

ومع استمرار التحديات التي تطارد القاهرة، بتصاعد الطموح السوداني لاستغلال الإمكانيات المتوفرة لديه من الأراضي ومياه النيل من أجل الإستثمار والانتعاش الإقتصادي، لا يبقى أمام الإدارة السياسية في مصر سوى التعاون ومحاولة ربط المصالح السودانية اقتصادياً وسياسياً بمصر، من أجل تحقيق الأمن المائي والغذائي معاً.

المصدر الأصلي

HICtionary of Key Habitat Terms
 

See "Habitat III Basics"
 
HLRN Publications

Land Times



All rights reserved to HIC-HLRN -Disclaimer